السيد محمد تقي المدرسي
149
البيان الاسلامي (أحاديث في العقيدة)
ولكن بعض الناس يتساءل بسذاجة : كيف لنا أن نعبد ربّاً لا نتصوره ؟ والجواب المنطقي لهذا التساؤل يكمن في أن العقل يؤمن بوجود كثير من الأشياء المخلوقة وهو عاجز عن تصورّها ، فحتى اللحظة هناك ملايين من المخلوقات لم يصل العقل البشري إلى حقيقتها . فمثلًا ؛ إلى الآن لم يستطع علماء الفيزياء معرفة حقيقة الجاذبية وشكلها - على اعتبار مقولة أن لكل موجود شكل - فهم قد اكتشفوا فعل الجاذبية وقانونها ، ولكنهم لم يعرفوا بعد ماهية الجاذبية رغم المحاولات العلمية الواسعة في هذا المجال . إذاً ؛ فهناك بعدان رئيسيان للحقيقة التي نريد توضيحها : البعد الأول : هو أن العقل البشري لم يهتد - رغم الارتباط والتأثير الكبير والمتبادل - إلى ماهية كثير من الموجودات ، وهوقد يكون بحاجة إلى مدة لا تقل عن ملايين السنين من السعي والمثابرة والجهود لتوسيع دائرة هذا العقل ثم إلى كشف وإحصاء الموجودات ؛ سواء المرئية منها وغير المرئية . والبعد الثاني : ضرورة أن يؤمن الإنسان ويسلّم بأن ثمَّ أشياء غير قابلة للتصور مطلقاً ، تبعاً لطبيعة هذه الأشياء التي في مقدمتها الماهية والذات الإلهية المقدسة . فالله سبحانه وتعالى لما يمتاز من طبيعة مكنونه ، كتب - بأزليته وعلمه - على نفسه أن يكون هكذا ، وأن يخلق الأشياء والعقول هكذا . وعوداً إلى بدء أقول : إن الله جل وعلا أكبر من أن يحدّ بحد ، وهذا بالذات حقيقة التسبيح . وقول : ( لا إله إلا الله ) تسبيح وتنزيه له من أن يكون ذا شريك وصاحب . ولذلك فإننا نجد كل شيء في هذا الكون الرحب يسبّح لله تعالى ويعترف بحاكمية الله . فالجبال والبحار والأشجار وغير ذلك تسبّح لله تعالى ؛ وتسبيحها الاعتراف والصغر أمام عظمة الله .